عمر فروخ

240

تاريخ الأدب العربي

في معالجة تلك الموضوعات التي استعاروها من بديع الزمان والحريريّ . وأما السبب الذي دعا الحريريّ إلى وضع المقامات فقصّة واقعة اتّفقت له . قال ابن للحريريّ : كان أبي جالسا في مسجد بني حرام فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة ؛ فسألته الجماعة : « من أين ؟ » فقال : « من سروج » . فاستخبروه عن كنيته فقال : أبو زيد . . . ثم ادّعى الفقر أمام الجماعة وقال إن الروم أغاروا على بلده وسبوا ابنته وطردوه من بيته وأنه الآن يجمع بعض المال لافتداء ابنته . فتحركت شفقة الحريريّ والجماعة فنفحوه بشيء من المال فشكرهم وتركهم . وفي المساء قصّ الحريريّ القصّة على أصحابه فقالوا له : خدعكم ، واللّه ؛ ليس الرجل فقيرا ولكن هذا دأبه . وشهد قوم بأنه ادّعى هذه الدعوى وغيرها مرارا . وقد بنى الحريريّ « المقامة الحرامية » ( الثامنة والأربعين ) على هذه القصّة . يسند الحريريّ رواية مقاماته إلى « الحارث بن همّام البصريّ » ، ويعني به نفسه ؛ أخذ ذلك من قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : كلّكم حارث وكلّكم همّام ؛ والحارث الكاسب ( الساعي في الرزق ) ؛ والهمّام الكثير الاهتمام . أمّا بطل المقامات ( الشخصية التي تدور عليها المقامات ) ويسمّى أيضا المكدي ( الشحّاذ ) فهو أبو زيد السروجيّ « 1 » . في مقامات الحريري أنواع من البديع لم يطرقها بديع الزمان الهمذاني ؛ من هذه الأنواع الأحاجي أو الألغاز كقول الحريريّ ( في المقامة الطيبية ) : ما تقول في من توضّأ ولمس ظهر نعله ؛ قال : انتقض وضوءه بفعله ! ( النعل : الزوجة ) . * قال : أيشتري المسلم سلب المسلمات ؟ قال : نعم ، ويورّث عنه إذا مات ! ( سلب المسلمات : قشر نوع من الشجر ) * قال : أيحجز الحاكم على صاحب الثور ؟ قال : نعم ليأمن غائلة الجور ! ( الثور : الجنون ) . . . ومثل قوله في المقامة الشتوية : رأيت ، يا قوم ، أقواما غذاؤهم * ( بول العجوز ) وما أعني ابنة العنب « 2 » ؛

--> ( 1 ) أبو زيد السروجي هو أبو المطهر بن سلار البصري اللغوي النحوي ، تلميذ الحريري ، كان فيه فضل وأدب وكانت له معرفة باللغة والنحو ، توفي نحو سنة 540 ه ( 1145 - 1146 م ) . وسروج بلدة قريبة من حران ، من ديار مضر في شمالي العراق ( انباه الرواة 3 : 276 ؛ الأعلام للزركلي 8 : 159 ) . ( 2 ) بول العجوز : اللبن .